د. سعيد الجريري يكتب: عن (أبوية) هادي السياسية!!

اليمدا بوست - عدن

خاطب عبدربه هادي منصور رئاسة المجلس الانتقالي الجنوبي بصيغة (أبنائي) في كلمته الأخيرة داعياً إياهم إلى “وقف نزيف الدم … إلخ”. ولقد أثارت هذه المخاطبة ردود أفعال عديدة، أبرزها أن في المخاطبة وداً، قوبل بتقدير – وإن يكن لفظياً – لاعتباره أولئك أبناءه، على خلفية أنه جنوبي (على أي حال) وأنهم جنوبيون.

لكن لم تقارب هذه المخاطبة الخطيرة في بعدها السياسي والأخلاقي، من حيث أن صيغة كهذه تكرس وعياً وسلوكاً متخلفين، ولا صلة لهما بالدولة المدنية، فهي تجمع بين الأبوية والإثنية، وما لهما من فاعلية سلبية (بحسب الألماني ماكس فيبر، والعربي هشام شرابي مثلاً).

ولأن عبدربه هادي منصور ينطلق في نزعته هذه من أبوية مركّبة (رئيس مطلق الشرعية + عسكري برتبة مشير + جنوبي على رأس سلطة يناوئها الانتقالي) فقد انذلقت كلمة (أبنائي) بنبرة رومانسية سرعان ما عصفت بها جلافة الحاكم الأبوي الضعيف، فأتبعها بقوله (مايسمى بالمجلس الانتقالي)، في دلالة جلية على أن أبويته الشائهة التي بدا فيها وهو يقرأ الكلمة كمن يقرأ وصيته على عشيرة (عليها هتفة من ولي).

ولعل التماهي مع مخاطبته وتكريسها في النقاش، وإلصاق صفة البنوّة بالانتقالي من الخطورة بمكان، فهي تقوم بعملية (غسيل مواقف) لعبدربه هادي منصور ، بأن تتفهم كونه أباً سياسياً للجنوبيين، بمن فيهم الانتقاليون، الذين لم يشاركوا في شرعنته بانتخابه التوافقي الذي هو صنيعة آخرين في صنعاء، لتوظيف أبوته لفرض الولاء والطاعة والوصاية.

ولعل موقف الانتقالي البراغماتي، من أبوية عبدربه هادي منصور مما ينبغي نقده وتوجيهه، لما يتسبب فيه من تشويش وتضليل غير مقصودين، فالاعتراف بشرعيته من دون الآخرين في رئاسته وحكومته هو من تجليات الإثنية الجغرافية التي تقبل أبوته السياسية – وإن على مضض – في حين أن لو حل محله علي محسن مثلاً، وهو خليفته بحسب الدستور اليمني، فإن الشرعية تسقط عنه لانتفاء البعد الإثني، مع الثنائي (عبدربه – محسن) كانا ومايزالان يمثلان شرعية نظام صنعاء، وهما زميلان في الحرب الإجرامية على الجنوب في 1994، وشريكان في نهب ثرواته، وهما ذراعا علي عبدالله صالح في وأداتاه الرئيستان في الجرائم ضد الوطن والديمقراطية والإنسانية.

عبدربه هادي منصور ليس أباً سياسياً لا للشمال ولا للجنوب، ولا صلة في السياسة لذلك بما ناهزه من عمر ، فما بينه وبين مواطني الجمهورية اليمنية السابقة (التي ابتلعها الحوثي) عقد سياسي، صفته فيه رئيس جمهورية، رغم انتهاء مدة التوافق عليه، لكنه ليس أباً ولا رئيساً لأغلبية الجنوبيين، من حيث إنهم لم يكونوا جزءاً من ذلك التوافق الشرير ، وإن لهم قضية، هو على رأس نظام خصومها، ولا يمكن، والحال هذه، أن يكون أباً لا بالمعطى السياسي ولا بالمعطى الإثني السخيف.

عبدربه هادي منصور الذي هلل بعض أبنائه غير الشرعيين – بالمعنى السياسي – لتعبيره عن أبويته تلك، كانت كلمته موغلة في نعتهم بالعقوق، وإلغائهم، ولو استطاع لمحاهم بدبابات عصاباته في الشيخ سالم وقرن الكلاسي، ثم إنه حامل لواء مشروع سياسي لا يعترف لأولئك الأبناء والبنات بحق أو حرية الاختيار ، ولو استطاع لفرض نظام أقاليمه الذي لم يعد له في الجغرافيا أكثر من ربع محافظة في مأرب وشارع ونصف في تعز !

عبدربه هادي منصور فرد من محافظة جنوبية لا يفضل الآخرين لا بكفاءة سياسية أو عسكرية أو إدارية، ولا ينماز عنهم بذمة مالية نظيفة، ولا نزاهة في القيادة، بل لعل ملفه يعج بالنقاط السلبية التي لا تؤهله لأكثر من إدارة محدودة في مديرية نائية، فلا ينبغي لذلك إسباغ الصفات عليه هكذا. فإن يكن له موقف مع الإرادة الشعبية الجنوبية المعبّر عنها منذ 94 ثم بزخم أكبر منذ 2007 فلماذا يخادع من أوصلوه إلى الرئاسة؟ و ما الذي يمنعه من الاصطفاف مع شعبه، بدلاً من الارتهان إلى مشروع من توافقوا عليه، لأسباب يعرفها، وهم أول المخوّنين له، ولعلهم يعدون له محاكمة جراء ما اقترفه من دعوة (العدوان) لتدمير البلد الذي نصبه رئيساً.

لا عبدربه أباً سياسياً ولا الانتقالي أبناءه. فلكل منهما مساره المختلف، ولولا العاطفة الإثنية لكان الحسم سريعاً مع أي (عم شمالي) في الرئاسة، وإن يكن جزءاً من منظومة الأبوية السياسية القاتلة.

* على هامش أبوية عبدربه هادي منصور ، لنا أن نشير إلى حالة وصف بعض الحضارمة شخص المحافظ البحسني بالعم فرج، في سياق التقدير الاجتماعي بلا خلفية مفهومية، ما يقتضي أن يثبت الواصف للموصوف بأنه ابن أخ محترم، فيقدم الولاء والطاعة للعم العزيز ، بتكريس العمومة السياسية – على الرغم من أن المحافظ، أي محافظ، موظف عمومي، يأتي بقرار أو انتخاب، ويذهب بقرار أو انتخاب – لكن ذلك يحدث في سياق متصل بإعادة إنتاج وعي ما قبل الدولة الذي تروّجه السلفيات المذهبية والثقافية والاجتماعية، والمشيخات القبلية وأحلافها ومرجعياتها الناشزة التي تصيب مبدأ (المواطنة) والمساواة والقيم المدنية في مقتل، وترتبط عضوياً بنظام الأبوية السياسية الإثنية المتخلف.
* المشهد العربي.

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.